زكريا القزويني
171
آثار البلاد واخبار العباد
لأنّه على نشز من الأرض . وإنّها مدينة آهلة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات ، وغزا بعض الأكاسرة الروم وحمل الأسارى إلى تستر وأسكنهم فيها فظهرت فيها صنائع الروم وبقيت في أهلها إلى زماننا هذا . يجلب منها أنواع الديباج والحرير والخزّ والستور والبسط والفرش . وحكي أن أبا موسى الأشعري لمّا فتح تستر وجد بها ميتا في آبزون من نحاس ، معه دراهم من احتاج إلى تلك الدراهم أخذها ، فإذا قضى حاجته ردّها ، فإن حبسها مرض . فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطّاب ، فكتب في جوابه : ان ذلك دانيال النبيّ ! أخرجه وغسّله وكفّنه وصلّ عليه وادفنه . وينسب إليها سهل بن عبد اللّه التستري ، صاحب الكرامات الظاهرة ، من جملتها إذا مسّ مريضا عافاه اللّه ، وقد سمع من كثير من أهل تستر أن في منزل سهل بيتا يسمّى بيت السباع ، كانت السباع تأتيه وهو يضيفها فيه ، حكى سهل ابتداء أمره قال : قال لي خالي محمّد بن سوار : ألا تذكر اللّه الذي خلقك ؟ قلت : كيف أذكره ؟ فقال : قل بقلبك عند تقلّبك في ثيابك ثلاث مرّات من غير أن تحرّك به لسانك : اللّه معي ! اللّه ناظر إليّ ! اللّه شاهدي ! قلت ذلك ثلاث ليال ثمّ أعلمته . قال : قل ذلك كلّ ليلة سبع مرّات ، فقلت ذلك ثمّ أعلمته . فقال : قل كلّ ليلة إحدى عشرة مرّة ، فقلت ذلك ثمّ أعلمته ، فوقع في قلبي حلاوة . فلمّا كان بعد سنة قال لي خالي : احفظ ما علمتك ودم عليه حتى تدخل القبر ، فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة ! فبقيت على ذلك سنين ، فوجدت لها حلاوة في سرّي . ثمّ قال لي يوما : يا سهل من كان اللّه معه وناظرا إليه وشاهده لا يعصي ! إيّاك والمعصية ! قال : كنت أشتري بدرهم شعيرا فيخبز لي منها أفطر كلّ سحر على قدر أوقية منها بغير ملح ولا ادام ، فيكفيني الدرهم سنة ، ثمّ عزمت على أن أطوي ثلاث ليال وأفطر ليلة ثمّ خمسا ثمّ سبعا ثمّ خمسا وعشرين . بقيت على ذلك عشرين سنة . توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين .